“أسود الأطلس” في مونديال 2026: قراءة تحليلية للمجموعة الثالثة

 شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الجمعة، مراسيم قرعة نهائيات كأس العالم 2026، وهي النسخة التاريخية الأولى التي ستُقام بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة، كندا والمكسيك، وبمشاركة 48 منتخبًا بدلاً من 32. وضعت القرعة المنتخب المغربي، رابع العالم، في المجموعة الثالثة إلى جانب العمالقة الكبار ممثلين في البرازيل، ومعهما اسكتلندا وهايتي.

تُعد هذه المجموعة اختبارًا حقيقيًا لـ”أسود الأطلس” وتطلعاتهم للذهاب بعيداً في هذه المنافسة العالمية، خاصة بعد الإنجاز التاريخي الذي حققوه في النسخة الماضية. فهل يُعيد القدر نفسه كما حدث في مونديال 1998؟ وهل يمتلك المغرب الأدوات اللازمة لتجاوز عقبة “راقصي السامبا” ومواصلة كتابة التاريخ؟ هذا ما سنحاول تحليله في هذه القراءة الرياضية المعمقة.

 

  المغرب: من رابع العالم إلى تحدي الإثبات

لم يعد المنتخب المغربي مجرد “حصان أسود” في البطولات العالمية، بل أصبح قوة كروية راسخة، يحتل المرتبة الحادية عشرة عالميًا والأولى أفريقياً وعربياً في تصنيف FIFA (في إشارة إلى تصنيف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي). الإنجاز غير المسبوق في مونديال قطر 2022، بوصوله إلى نصف النهائي كأول منتخب عربي وأفريقي، منح “أسود الأطلس” ثقة هائلة وخبرة تراكمية لا تُقدر بثمن.

الخبرة المكتسبة والرؤية التكتيكية

تحت قيادة المدرب الوطني وليد الركراكي، يمتلك المنتخب المغربي منظومة تكتيكية واضحة تعتمد على الصلابة الدفاعية والانتقال السريع للهجوم، وهي استراتيجية أثبتت نجاعتها ضد كبار العالم. اللاعبون الأساسيون، الذين يمارسون في أندية أوروبية كبيرة، وصلوا إلى مرحلة النضج الكروي، ويمتلكون دوافع قوية لتأكيد أن إنجاز 2022 لم يكن محض صدفة.

  مقارنة القوة: المغرب في مواجهة العمالقة

لطالما كانت مواجهة البرازيل، حاملة الرقم القياسي في التتويج بـكأس العالم، حلماً وهاجساً في الوقت ذاته. وجود “السيليساو” في المجموعة الثالثة يُضفي عليها طابع “المجموعة النارية”، بل إنها تُعيد إلى الأذهان سيناريو مونديال فرنسا 1998 الذي جمع المغرب بالبرازيل واسكتلندا (بالإضافة إلى النرويج حينها).

  البرازيل: العملاق الجريح

على الرغم من كونها المرشح الأبرز دائمًا، إلا أن البرازيل في نسخة 2026 ليست بتلك القوة التي كانت تخيف العالم في العقود الماضية. غياب التتويج منذ عام 2002 خلق ضغطاً هائلاً على “السامبا”. وفي هذا السياق، نقلت الصحف العالمية تصريحًا لمدرب البرازيل، كارلو أنشيلوتي، يُفيد بأن “المغرب هو الخصم الأصعب” في المجموعة، وهو اعتراف صريح بالاحترام والرهبة التي بات يحظى بها “أسود الأطلس”.

قد يفتتح المغرب مشواره أمام البرازيل (كما هو مبرمج يوم 13 يونيو 2026)، وتعتبر هذه المواجهة، وفقًا لبعض المحللين، “فرصة للتأهل وليست صدمة بداية”. فالفوز أو حتى التعادل مع البرازيل في المباراة الافتتاحية من شأنه أن يمنح المنتخب المغربي دفعة معنوية هائلة لتصدر المجموعة.

  اسكتلندا: اللغز الأوروبي

تُعتبر اسكتلندا منافسًا عنيدًا يتميز باللعب البدني القوي والمنضبط تكتيكياً، وهي المدرسة الكروية التي لطالما سببت إزعاجًا للمنتخبات الأفريقية والعربية. مدرب اسكتلندا، ستيف كلارك، أعرب عن حنينه لهذه المواجهة، مؤكداً أن “القدر جمعنا من جديد مع المغرب والبرازيل”.

هذه المباراة ستكون حاسمة لحصد النقاط اللازمة للعبور. يعول المغرب على مهارات لاعبيه الفردية وقدرتهم على اختراق الدفاعات الصلبة، مع الاستفادة من اللعب على الأجنحة والكرات العرضية.

  هايتي: بطاقة العبور المحتملة

أما هايتي، فتُعتبر الحلقة الأضعف على الورق. وصولها إلى المونديال بحد ذاته يُعد إنجازًا، ولكن هذا لا يعني الاستهانة بها. مدرب هايتي، جين بيليجاردي، أكد أن “خصومنا في المونديال لن يتفوقوا علينا بسهولة والضغط سيكون عليهم”.

بالنسبة للمغرب، يجب أن تُعامل هذه المباراة على أنها “مباراة ست نقاط” لضمان التأهل. الفوز بنتيجة عريضة وتجنب الإصابات أو الإجهاد سيكون الهدف الرئيسي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن فرق المستوى الرابع قد تقدم مفاجآت في البطولات الكبرى.

 

  ردود فعل الصحف العالمية حول القرعة

حظيت قرعة المغرب بتغطية واسعة من الصحف العالمية، والتي عكست نظرة احترام وتقدير للقوة الحالية لـ”أسود الأطلس”:

  • الصحف الأوروبية والإسبانية: أشادت صحيفة “ماركا” الإسبانية بالديناميكية الاستثنائية لـ**”أسود الأطلس”**، مؤكدة أن المغرب “يرسخ مكانته على قمة كرة القدم العالمية”. كما نقلت عدة مصادر تصريح أنشيلوتي بأن المغرب هو الخصم الأصعب.
  • الصحف العربية: اتفق معظم المحللين العرب على أن المجموعة “نارية” ولكنها “متوازنة” بالنسبة للمغرب. صحف مثل “العربي الجديد” توقعت ذهاب المنتخب المغربي بعيداً، فيما رأى البعض أن فرصة “الانتقام” من البرازيل بعد مونديال 1998 قد حانت.
  • الاتحاد الأفريقي (الكاف): أكد الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) عبر موقعه الرسمي أن مواجهة المغرب أمام البرازيل ستكون “واحدة من أبرز مباريات دور المجموعات في كأس العالم 2026”.

هذا الاهتمام والتوقع الإيجابي يضع ضغطاً إضافياً على اللاعبين، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن المغرب بات منافساً يحسب له ألف حساب.

 

  تحليل فرص التأهل إلى الدور الثاني  

مع نظام البطولة الجديد الذي يشمل 48 منتخبًا و12 مجموعة، يتأهل منها صاحبا المركزين الأول والثاني، بالإضافة إلى أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث. هذا النظام يزيد من فرص تأهل المغرب بشكل كبير، حتى لو لم يتمكن من الفوز على البرازيل.

  • السيناريو المثالي: الفوز على اسكتلندا وهايتي (6 نقاط)، والتعادل مع البرازيل (نقطة واحدة)، ليصبح المجموع 7 نقاط، مما يضمن صدارة المجموعة أو المركز الثاني بأريحية.
  • السيناريو الواقعي: الفوز على هايتي (3 نقاط)، والتعادل مع اسكتلندا (نقطة واحدة)، والهزيمة من البرازيل (0 نقطة)، ليصبح المجموع 4 نقاط. في هذه الحالة، يمكن للمغرب أن يتأهل كـأحد أفضل 8 منتخبات في المركز الثالث، أو يتصارع مع اسكتلندا على المركز الثاني في حال كانت النتائج الأخرى في صالحه.

الخلاصة التكتيكية: مفتاح التأهل هو حصد النقاط الكاملة من مباراة هايتي على الأقل، واللعب على تفاصيل مباراتي البرازيل واسكتلندا للخروج بأكبر عدد ممكن من النقاط، مع التركيز على الانضباط الدفاعي المعروف عن “أسود الأطلس”.

 

  الأهداف والطموح: الذهاب بعيداً

بالنسبة للمدرب وليد الركراكي والجمهور المغربي، لم يعد سقف الطموح هو مجرد تجاوز دور المجموعات. فـ**”لماذا لا نصنع التاريخ مرة أخرى؟”** هو الشعار الذي يرفعه الركراكي.

الذهاب بعيداً يعني على الأقل تكرار إنجاز دور الـ 16 أو ربع النهائي، وذلك يتطلب:

  1. استقرار فني ونفسي: الحفاظ على الروح القتالية والتركيز العالي الذي ميز الأداء في 2022.
  2. عمق دكة البدلاء: الاستفادة من نظام 48 منتخباً الذي سيزيد من الإرهاق، مما يتطلب دكة بدلاء قوية قادرة على تقديم الإضافة.
  3. تجنب الإصابات: الحفاظ على اللياقة البدنية والابتعاد عن الإصابات، خاصة في صفوف النجوم الأساسيين.
انهض يا حكيمي

  خاتمة

لا شك أن قرعة كأس العالم 2026 وضعت المنتخب المغربي أمام تحدٍ صعب ولكنه ليس مستحيلاً. فالمجموعة الثالثة، التي تضم البرازيل، تُعيد ذكريات الماضي وتضع “أسود الأطلس” تحت الأضواء العالمية مجدداً. بفضل الخبرة المكتسبة، والقوة التكتيكية تحت قيادة الركراكي، والاعتراف العالمي بقوة الفريق (كما يتضح من تصريحات مدرب البرازيل)، فإن حظوظ المغرب في الذهاب بعيداً لا تزال قائمة بقوة.

يعد الوصول إلى الدور الثاني هدفًا مشروعًا وواقعيًا، والقدرة على تكرار إنجاز ربع النهائي باتت أمراً ممكناً لفريق أثبت للعالم أنه يستطيع مقارعة الكبار. كل ما يحتاجه المنتخب المغربي هو التركيز والانضباط والتكتيك المحكم لصنع المعجزات مجددا .لم لا؟

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد