رسالة عطش إلى الدولة المغربية:الماء ليس ملفا تقنيا

 أحمد الجَــلالي
رغم حبي الشديد للأمطار ولليالي البرد القارس وما توفره من هدوء يغري بالكتابة و أشياء أخرى، لم أرد أن استسلم لتفاؤل زائف بذهاب شبح الجفاف والعطش إلى غير رجعة.
فبعد بضعة اشهر فقط أراهن أن يعود وزير الماء الاستقلالي إلى تصريحات كلها تخويف وعويل من عطش قادم. هذا لا شك فيه. لكن الذي قلبه على الماء يجب أن يبكي عليه في البرلمان والمجالس الحكومية، في وقت تكون فيه الأمطار تتهاطل كما تفعل في هذه الأيام المباركة.
دعوني أكون واضحا منذ السطر الأول:
زراعات تشفط المياه الجوفية مثل الأفوكادو ليس هي المشكلة الوحيدة في المغرب.
المشكلة هي نموذج فلاحي يشتغل بعقلية بلد غني بالماء، داخل بلد يعاني عطشاً بنيوياً.
في المغرب، لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي، بل أصبح خطاً أحمر يمس الأمن الوطني والاجتماعي. ومع ذلك، ما زالت الدولة تتصرف وكأن السنوات العجاف مجرد ظرفية عابرة، لا مساراً دائماً يفرض قرارات صعبة يجب اتخاذها.
وهذا فإني أرى أن شيطنة الأفوكادو وشقيقاتها من باقي الزراعانت مجرد تعبير عن هروب جبان من السؤال الحقيقي

نعم، الأفوكادو يستهلك مياها كثيرة، لكن:.
* القمح يستهلك أكثر
* الزراعات العلفية تلتهم أضعافاً
* آلاف الآبار تُستغل خارج أي مراقبة
ألم تروا كل هذا أم على عيون غشاواتها السميكة.
ومع ذلك، لا أحد يجرؤ على طرح السؤال الجوهري بكلمات بسيطة ومفهومة: من قرر هذا النموذج الفلاحي؟ وبأي حق؟ وعلى حساب من؟

تبسيط كسول لقضية معقدة :

حين تستهلك الفلاحة المغربية أكثر من 85% من الموارد المائية، فإن أي حديث عن الماء دون مساءلة هذا القطاع هو نوع من النفاق الجماعي الذي يجب فضحه حد التعري عبر أسئلة مزعجة للبعض:
كيف نزرع؟
أين نزرع؟
بأي ماء؟
ولصالح من؟

أسئلة بديهية، لكنها غائبة عن النقاش العمومي، لأن طرحها يعني الاصطدام بمصالح قوية، وبسياسات تفضل الصمت على المراجعة
لا نصدر خضراً…بل ماءنا
حين نصدر الطماطم، الأفوكادو، أو الفواكه الحمراء، فنحن لا نصدر منتوجاً فلاحياً فقط ماء افتراضيا قطرة قطرة نحو أسواق غربية لا تكابد ما نعاينه من جفاف بنيوي وشبح عطش يطل علينا كل سنة.

ثم نُفاجأ بعد هذا كل عام بعويل و “مندبة” رسمية حكومية حول جفاف السدود و نضوب الفرشات المائية وبخطابات رسمية عن ضرورة الإسراع بتحلية مياه البحر كحل سحري سينقذنا بمعجزة المعجزات.
أي عبط هذا؟ نصدر الماء بثمن بخس، ثم نشتريه محليا بتكلفة باهظة

ري بالتنقيط: تقنية بلا شجاعة سياسية

نعم، الري بالتنقيط ليس كذبة، لكنه ليس الحقيقة كاملة.
نعم، إنها تقنية حسنت النجاعة لكنها في كثير من الحالات لم تقلص الاستهلاك، بل سمح بتوسيع المساحات وكرّس منطق “ما دام الماء موجوداً، فلنزرع أكثر”.

المشكلة يا ناس ليست في الفلاح… بل في من يضع القواعد.
الصورة المقلوبة يجب إعادة ترتيبها وتبسيطها على الشكل التالي لتتضح المفارقات:
الفلاح يزرع ليعيش.
المستثمر يستثمر ليُربح.
هذا طبيعي.
الذي ليس طبيعيا هو:
غياب سقف مائي جهوي واضح
غياب عدادات وضبط صارم
غياب ربط بين الماء والقيمة المضافة الحقيقية
من الجنون أن يُترك مورد نادر وحيوي مثل الماء لمنطق السوق وحده،
وكأننا نتحدث عن سلعة لا عن شرط حياة.

مراجعة جذرية… أو عطش مؤجل

أنا ابن فلاح وجدي فلاح، ولم أكون بأي حال ضد الفلاحة.
لست ضد التصدير فقد درست الاقتصاد وأعرف سبل وأهمية تحقيق الثروة الوطنية.

لكن من واجبي الأخلاقي والمهني أن أقف بلا قناع ضد سياسة تستهلك المستقبل لتجميل الحاضر.
قبل التغني بنشيدي المدرسي القديم والهتاف الرومانسي: إخوتي جاء المطر هيا اجلسوا تحت الشجر”، لابد من كلمات واضحات فاضحات لهذا الوضع البئيس:
* يقول لكم ابن فلاح أصيل تمدرس في غفلة منكم وأصبح كاتبا يخطب فيكم بأربع لغات: تحتاجون شجاعة سياسية لمراجعة النموذج وتحتاجون ترتيب أولويات الزراعة.
لأن الوطن والتراب لنا جميعا، نحتاج إلى ربط كل متر مكعب ماء بسؤال حتمي: ماذا يضيف؟ ولمن؟ ولماذا هنا؟
غير ذلك، فكل نقاش عن الأفوكادو أو البطيخ الأحمر أو الأصفر لك يكون سوى ضجيج جانبي حول سفينة تتجه رأسا نحو صخرة الجفاف القاتل.
كلمة أخيرة:
الماء ليس ملفاً تقنياً،ولا قضية موسمية، ولا مادة للجدل العابر. الماء هو الشرط الأول للبقاء ، ومن لا يضعه في قلب القرار السياسي اليوم، سيجبر في الغد القريب على وضعه قلب أزمة اجتماعية غير مسبوقة.
اللهم إني قد بلغت، اللهم اشهد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد