الشوارع ـ متابعة
تعد هونغ كونغ دائماً المختبر الحي لأكثر أسواق العقارات ديناميكية في العالم. ومع حلول عام 2026، يشهد المركز المالي الآسيوي تحولاً بنيوياً يتجاوز مجرد “التعافي” من أزمات السنوات الماضية. نحن نشهد الآن ولادة مفهوم جديد للمساحات التجارية، حيث تندمج الفخامة التقليدية للدرجة الأولى (Grade A) مع متطلبات الاقتصاد الرقمي والابتكار التكنولوجي.
- مشهد المكاتب في 2026:
بعد فترة طويلة من التصحيح السعري، وصل سوق مكاتب الدرجة الأولى في هونغ كونغ إلى مرحلة الاستقرار في مطلع 2026. الاتجاه السائد الآن ليس مجرد استئجار مساحة، بل هو ما يسمى “Flight-to-Quality“ (الهروب نحو الجودة).
- المركزية المتجددة: عادت مناطق مثل “Central” و”Tsim Sha Tsui” لتصدر المشهد مع نمو طفيف في الإيجارات بنسبة تراوحت بين 0.5% و5%، مدفوعة بطلب قوي من صناديق التحوط والمكاتب العائلية (Family Offices).
- المساحات المرنة: لم تعد المكاتب التقليدية هي الخيار الوحيد؛ حيث أصبحت المساحات التي توفر مرونة في التعاقد وتجهيزات تقنية متقدمة هي الأكثر جذباً للشركات المتعددة الجنسيات.
- بزوغ نجم “المراكز التكنولوجية” (Tech Hubs)
الخبر الأبرز في 2026 هو التوسع الهائل لمراكز التكنولوجيا والابتكار. لم تعد “سايبر بورت” (Cyberport) أو “باك شيك كوك” (Pak Shek Kok) مجرد مناطق نائية، بل أصبحت المحرك الفعلي للطلب العقاري.
- مشروع Cyberport 5: مع اكتمال توسعة “سايبر بورت 5” في أوائل 2026، تمت إضافة أكثر من 40% من المساحات المكتبية المخصصة لشركات التكنولوجيا المالية (FinTech) والذكاء الاصطناعي.
- عقارات الـ AI والبيانات: زاد الطلب بنسبة 30% على المباني التي تدعم بنية تحتية متطورة للحوسبة الطرفية (Edge Computing) والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تبحث شركات التقنية عن مساحات توفر طاقة استيعابية عالية للبيانات وتبريداً متطوراً.
- التحول الرقمي والعقارات الذكية (PropTech)
في عام 2026، لم يعد “المبنى الذكي” رفاهية، بل شرطاً أساسياً للاستثمار. دمجت هونغ كونغ تقنيات متطورة في عقاراتها التجارية لتشمل:
- إنترنت الأشياء (IoT): لمراقبة استهلاك الطاقة وجودة الهواء بشكل لحظي، مما يقلل التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 20%.
- التوأم الرقمي (Digital Twin): يستخدم المطورون الآن نماذج ثلاثية الأبعاد لإدارة المباني وتوقع احتياجات الصيانة قبل وقوع الأعطال.
- معايير ESG: أصبحت المباني الحاصلة على شهادات الاستدامة (مثل LEED أو BEAM Plus) تسجل معدلات شغور أقل بنسبة 15% مقارنة بالمباني التقليدية.
- صفقات كبرى ترسم ملامح المستقبل
شهدت الأشهر الأخيرة صفقات ضخمة تعكس الثقة في السوق. استثمار عمالقة التكنولوجيا مثل Alibaba وAnt Group في شراء طوابق متعددة بمبالغ نقدية ضخمة في مناطق حيوية مثل “Causeway Bay” يؤكد أن هونغ كونغ ستظل القاعدة المثالية للتوسع الدولي لشركات التكنولوجيا الصينية.
- توقعات الاستثمار العقاري 2026
وفقاً لتقارير “CBRE” و”JLL” لعام 2026، يتوقع الخبراء الآتي:
- تحسن السيولة: مع استقرار أسعار الفائدة وتوقعات بخفضها، سيعود المستثمرون المؤسسيون لاقتناص الفرص في الأصول المتعثرة التي تم تحويلها لمراكز تكنولوجية أو سكن للطلاب.
- التكامل مع منطقة الخليج الكبرى (GBA): سيلعب مشروع “المدينة الشمالية” (Northern Metropolis) دوراً حاسماً في ربط عقارات هونغ كونغ التجارية بمنظومة الابتكار في شينزين، مما يخلق طلباً مستداماً على المكاتب العابرة للحدود.
خلاصة القول
إن سوق العقارات التجارية في هونغ كونغ في 2026 لم يعد يعتمد على “المكان” فقط، بل على “الإمكانية”. الشركات اليوم لا تستأجر أمتاراً مربعة، بل تستأجر بيئة عمل ذكية، مستدامة، ومتصلة تكنولوجياً. بالنسبة للمستثمرين، تكمن الفرصة الحقيقية في العقارات التي تتبنى التحول الرقمي وتلبي احتياجات جيل الابتكار القادم.
