تونس في عين الإعصار: تدهور شامل..أي مستقبل للديمقراطية؟
من "مهد الربيع العربي" إلى حافة الانهيار
طالما مثلت تونس، “مهد الربيع العربي”، بصيص أمل للانتقال الديمقراطي في المنطقة. ولكن منذ أن قام الرئيس قيس سعيد بتفعيل الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، دخلت البلاد في مسار سياسي واجتماعي مضطرب. يحاول هذا المقال إلى تفكيك الأوضاع الحالية، وتقييم مدى التدهور، وتحليل الأزمة الاقتصادية الخانقة، واستشراف مستقبل الديمقراطية التونسية في ظل عودة شبح الحكم الفردي.
تفكيك مكتسبات الانتقال
شهدت تونس بعد عام 2021 تدهوراً متسارعاً يمثل خروجاً واضحاً عن المسار الذي بُني بعد ثورة 2011، مع تركيز الصلاحيات بشكل غير مسبوق في يد السلطة التنفيذية.
1. التدهور السياسي والدستوري
- إلغاء الفصل بين السلطات: قام الرئيس بحلّ البرلمان المنتخب ديمقراطياً، ثم أصدر دستوراً جديداً (2022) صيغ بأغلبية شعبية متدنية، مركّزاً الصلاحيات التنفيذية والتشريعية في يده بشكل شبه مطلق. هذا التغيير أضعف المؤسسات الرقابية وأعاد إنتاج الحكم الفردي.
- استهداف القضاء: تمثل استهداف السلطة القضائية بـ إقالة القضاة في ضرب مباشر لـ استقلالية القضاء وتسييسه، مما أزال آخر حاجز أمام تركّز السلطة.
2. التضييق على الحريات العامة
- قمع الأصوات المعارضة: يرى النشطاء الحقوقيون أن المراسيم والقوانين الجديدة، مثل المرسوم عدد 54 المتعلق بـ”مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال”، قد أصبحت أدوات لتقييد حرية التعبير والصحافة.
- هل تونس تتجه نحو بن علي جديد؟ يكمن الخطر في أن النظام الحالي، على عكس نظام بن علي الذي كان مؤسسياً، يتجه نحو الحكم الشعبوي الفردي الذي لا يخضع لأي رقابة مؤسسية أو حزبية فعالة، مما يمثل خطراً أكبر على المدى الطويل من حيث الاستبداد وإمكانية تصفية الحسابات السياسية.
الأزمة الاقتصادية الخانقة:
تُعدّ الأزمة الاقتصادية في تونس المحفز الأكبر للتدهور الاجتماعي والسياسي. هي أزمة هيكلية تفاقمت جراء الجمود السياسي الحالي.
1. مأزق الديون العامة والتمويل الخارجي
- الديون وعدم القدرة على السداد: ارتفعت نسبة الديون العامة التونسية بشكل حاد. إن رفض الرئيس سعيد لشروط صندوق النقد الدولي (IMF) المتعلقة برفع الدعم وإصلاحات المؤسسات العمومية، أدى إلى توقف التمويل الخارجي.
- التبعات: أغلق هذا الرفض الباب أمام القروض الدولية والمانحين، مما صعّب على الدولة تمويل ميزانيتها والوفاء بالتزاماتها الخارجية، وزاد من خطر التخلف عن سداد الديون.
2. التضخم ونقص السلع
- انهيار القوة الشرائية: تجاوز معدل التضخم في تونس 10%، مما أدى إلى انهيار القوة الشرائية للمواطنين.
- نقص الإمدادات: أدت صعوبة تأمين العملة الصعبة لتمويل الواردات إلى نقص حاد ودوري في السلع الأساسية المدعومة (القهوة، السكر، الحليب)، وهو ما أشعل فتيل الاحتجاجات الاجتماعية المتزايدة، التي لا تعبر فقط عن مطالب معيشية، بل عن سخط عام على الأوضاع.
3. هجرة الكفاءات ودور الجزائر
- هجرة الأدمغة: أدت الأوضاع الاقتصادية وغياب الأفق المهني إلى تسارع ظاهرة هجرة الكفاءات التونسية إلى الخارج، مما يُفقد البلاد رأس مالها البشري المدرب.
- التعويل على الجزائر: في ظل العزلة الدبلوماسية مع الغرب، يُنظر إلى الجزائر كداعم رئيسي للنظام التونسي (اقتصادياً وسياسياً). هذا الدعم يوفر متنفساً، لكنه لا يكفي لحل المشاكل الهيكلية الكبرى التي تتطلب حلاً دولياً.
سيناريوهات المستقبل:
رغم المشهد القاتم، فإن انهيار النظام ليس السيناريو الوحيد. لا تزال هناك إمكانية لعودة تونس إلى مسار ديمقراطي أكثر استقراراً، لكن ذلك يعتمد على عدة عوامل:
1. مخرج الضغط الداخلي
- قد يدفع تفاقم الأزمة الاقتصادية و الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة، وخاصة ضغط المنظمات المدنية الكبرى (كالاتحاد العام التونسي للشغل)، الرئيس إلى القبول بـ حوار وطني شامل. هذا الحوار يمكن أن يعيد التوازن السياسي الضروري قبل أي انتخابات مقبلة.
2. الضغط الدولي المشروط
- يمكن أن تلعب الدول الغربية والمؤسسات المانحة دوراً عبر ربط المساعدات الاقتصادية الطارئة بضرورة العودة إلى احترام الحريات العامة واستقلالية القضاء، والبدء في إصلاحات دستورية تضمن الفصل بين السلطات.
الفاتورة الباهظة للثورة
قد تدفع تونس اليوم فاتورة باهظة لكونها شرارة “الربيع العربي”. لقد أثبت الانتقال الديمقراطي أنه عملية هشة. إن استمرار تونس في المسار الحالي يهدد ليس فقط بانهيارها الاقتصادي، بل بتكريس الاستبداد، وربما تكون الاضطرابات الاجتماعية هي الشرارة القادمة، لكن هذه المرة ليس لإسقاط ديكتاتور، بل لإنقاذ دولة من الانهيار. إن عودة الديمقراطية التونسية تتطلب وعياً داخلياً بضرورة التمسك بـ الحريات العامة كصمام أمان لا غنى عنه.
