يومان فقط بعد فاجعة فاس إثر انهيار بناية من طابقين، اجتاحت أخبار صادمة ومفجعة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مساء يوم الأحد، معلنة عن كارثة طبيعية حقيقية ضربت إقليم آسفي الساحلي بالمغرب.
إلى حدود ليلة أمس الأحد، وفي حصيلة مؤقتة، أعلنت السلطات المحلية عن حصيلة ثقيلة ومؤلمة للضحايا بلغت 21 وفاة، جراء التساقطات الرعدية الاستثنائية التي شهدها الإقليم وما خلفته من سيول فيضانية هائلة في فترة زمنية وجيزة. وما زال عداد الضحايا إلى ارتفاع في غياب تحيين رسمي للحصيلة، وهكذا تناقلت صفحات محلية أخبارا غير مؤكدة عن عشرات القتلى.
وفتح هذا الحدث المأساوي مجدداً ملفاً شائكاً حول العلاقة بين تقلبات المناخ والبنية التحتية المهترئة، ويوجه أصابع الاتهام إلى الأطراف التي قد تتحمل مسؤولية غرق آسفي.
وقائع كارثة الفيضانات في آسفي
في قلب الفاجعة، تقف الأرقام شاهدة على هول ما حدث. أفادت السلطات المحلية بأن الأمطار الغزيرة والمفاجئة، التي تحولت إلى سيول جارفة في غضون ساعة واحدة فقط، تسببت في هذه الخسائر البشرية الفادحة.
ارتفاع قياسي وغير مسبوق للضحايا
- 21 حالة وفاة: هو الرقم الأخير الذي أعلنته السلطات، مشيرة إلى أن الحصيلة قد ترتفع مع استمرار عمليات البحث( إلى حدود ليلة الأحد صبيحة الاثنين 15 دجنبر 2025).
- عمليات التمشيط والإنقاذ: أكدت المصادر الرسمية استمرار التعبئة المكثفة للبحث عن مفقودين محتملين واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المناطق المتضررة، وتوفير الدعم والمواكبة لفائدة الساكنة المتأثرة.
- الأضرار المادية: لم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل شملت أضراراً مادية جسيمة، حيث غمرت المياه عشرات المنازل والمحال التجارية في أحياء المدينة المنخفضة مثل المدينة العتيقة وسيدي بوالذهب، وجرفت السيارات، مما أدى إلى تعليق الدراسة في المدينة والنواحي.
الأسباب الحقيقية خلف غرق آسفي
على الرغم من وصف التساقطات الرعدية بأنها “استثنائية”، إلا أن التفسير الحصري للعوامل المناخية لا يكفي لوصف الكارثة. تتشابك هنا مجموعة من العوامل، الطبيعية والبشرية، التي حولت أمطاراً غزيرة إلى فيضان مدمر.
- التساقطات الرعدية الاستثنائية
لا يمكن إنكار الدور الأساسي للظاهرة الجوية. حذرت المديرية العامة للأرصاد الجوية من تساقطات مطرية رعدية قوية جداً، تجاوزت المعدلات المعتادة، وخلقت “تدفقات فيضانية استثنائية” لم تستطع المدينة استيعابها. هذا يندرج ضمن ظواهر التغيرات المناخية التي تزيد من حدة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
- ضعف البنية التحتية وقنوات الصرف الصحي
هنا يكمن الجانب الأكبر من مسؤولية غرق آسفي. شكاوى المواطنين والمحللين تتفق على أن البنية التحتية لآسفي، وتحديداً شبكة تصريف مياه الأمطار، عاجزة ومتهالكة.
- عدم استيعاب التدفق: قنوات الصرف لم تصمم لاستيعاب هذا الكم الهائل والسريع من المياه.
- الانسداد والإهمال: الإهمال في تنظيف وصيانة قنوات الصرف الصحي يزيد من سوء الوضع، حيث تلعب الأتربة والأزبال دوراً في انسدادها وتحويل مسار المياه إلى الشوارع والمنازل.
- التعمير العشوائي والبناء في مجاري الأودية
بعض المناطق التي شهدت أشد الأضرار هي أحياء عتيقة أو أحياء سكنية تم تشييدها في مناطق منخفضة أو في مسارات أودية سابقة. هذا التعمير غير المرخص أو الذي لا يحترم مخططات التهيئة الحضرية السليمة، يحول مجاري المياه الطبيعية إلى أحياء سكنية، مما يجعلها عرضة للغرق في كل مرة تتساقط فيها أمطار غزيرة.
سؤال المحاسبة
في خضم المأساة، يعلو صوت المواطن الغاضب والمكلوم متسائلاً: من المسؤول؟
- المنتخبون المحليون
توجه أصابع الاتهام مباشرة نحو المجالس المنتخبة والسلطات المحلية المتعاقبة.
- تقصير في التدبير: يُتهم المنتخبون بـ “التقصير” و”سوء التدبير” لملف البنية التحتية، وعدم تخصيص الميزانيات الكافية للصيانة والتحديث، رغم أن مشكلة فيضانات آسفي ليست وليدة اليوم.
- الفساد والغش في التجهيز: يطالب البعض بفتح تحقيق في جودة الأشغال العمومية ومشاريع تصريف المياه، مشيرين إلى أن الفساد قد يكون وراء هشاشة البنية التحتية.
- مسؤولية التخطيط والتعمير
تتحمل الهيئات المسؤولة عن التخطيط والتعمير جزءاً كبيراً من المسؤولية، خاصة فيما يتعلق بالترخيص بالبناء في مناطق خطرة أو بالقرب من مجاري المياه. يجب أن يكون هناك جرد دقيق للمناطق المعرضة للفيضانات ومراجعة صارمة لمعايير البناء.
آسفي ما بعد الكارثة: ما العمل؟
تتطلب فاجعة آسفي أكثر من مجرد التعاطف. يجب أن تتحول الكارثة إلى فرصة لإجراءات صارمة على الأرض من خلال:
- المراجعة الشاملة للبنية التحتية: إطلاق برنامج استعجالي وطني لتقوية وتحديث شبكات الصرف الصحي في المدن الساحلية والمنخفضة المعرضة لخطر الفيضانات، وتصميمها على أساس سيناريوهات جوية متطرفة.
- مخططات استباقية للإنقاذ: وضع خطط واضحة ومُعلنة للتدخل السريع والتواصل الفعال مع الساكنة في حالة الإنذار الجوي.
- المحاسبة والشفافية: فتح تحقيقات جدية في ملفات التدبير والتعمير لتحديد المسؤولية عن فيضانات آسفي وتقديم المقصرين للعدالة، بعيداً عن منطق “الكارثة الطبيعية” كذريعة وحيدة.
إن مأساة 21 وفاة في آسفي يجب أن تكون نقطة تحول حقيقية في طريقة تعامل الدولة مع تحديات التغيرات المناخية وتدهور البنية التحتية.
