الصناديق السيادية الخليجية تخترق قلعة “هوليوود”

جان لوك غودار: من لا يملك كاميرته، سيعيش داخل كاميرا غيره

 لم تعد القوة في العالم المعاصر تُقاس حصراً بما تملكه الدول من ترسانة عسكرية أو صفقات تسليح بمليارات الدولارات. فقد كشفت التحولات الرقمية والحروب الإعلامية الراهنة أن موازين الصراع لا تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في ساحات أكثر خفاءً وأطول أثراً: ساحات السرد، وبناء المعنى، وصناعة الصورة الذهنية.

في هذا السياق، يكتسب دخول دول خليجية وازنة — كالمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر — إلى رأسمال شركات الإنتاج السينمائي والإعلامي الأمريكية الكبرى، دلالة تتجاوز الربح المادي، لتلامس جوهر السيادة الرمزية في القرن الحادي والعشرين.

 

  1. لماذا لم يعد السلاح كافياً؟

صاغ المفكر “جوزيف ناي” مفهوم “القوة الناعمة” (Soft Power) ليصف القدرة على الجذب والإقناع دون إكراه. وفي حين أن الدبابة تحسم معركة على الأرض، فإن السينما تحسم معركة في العقول.

  • الشرعية الرمزية: كما أشار “ماكس فيبر”، السلطة لا تقوم على الإكراه فقط، بل على الشرعية التي تُبنى رمزياً.
  • حدود القوة: أثبتت التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري الساحق لا يمنع خسارة “معركة الصورة”، مما يجعل الاستثمار في أدوات التأثير الثقافي ضرورة استراتيجية لا ترفاً.

 

  1. هوليوود كآلة لصناعة العالم

لا يمكن التعامل مع هوليوود كفضاء محايد للإبداع؛ فهي، كما وصفها “إدغار موران”، آلة تصنع العالم كما ينبغي أن يُرى. لعقود طويلة، حُصر الإنسان العربي والمسلم داخل “قوالب نمطية” (Stereotypes) اختزالية، تم إنتاجها ضمن نظام سلطوي حلله “إدوارد سعيد” في كتابه “الاستشراق”.

لقد تحول “المسلم” في المخيال الهوليودي، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، إلى شخصية نمطية جاهزة تؤدي وظيفة “العدو” أو “الإرهابي”. من هنا، يمثل الدخول الخليجي إلى شركات الإنتاج محاولة للانتقال من موقع “الموضوع المُمثَّل” (بفتح الثاء) إلى موقع “الفاعل في التمثيل”.

 

  1. حدود المال داخل “القلعة” الهوليودية

إن امتلاك الأسهم لا يعني بالضرورة امتلاك القرار الثقافي. تخضع هوليوود لقيود بنيوية تجعل التغيير بطيئاً:

  1. منطق السوق: كما يقول المنتج “روبرت إيفانز”: “لا يملك الفيلم الذي لا يبيع تذاكر رسالة”. الربح هو المحرك الأول.
  2. الأيديولوجيا السائدة: سردية “الاستثناء الأمريكي” متجذرة في الخيال السينمائي.
  3. القوى الخفية: يشير “مارتن سكورسيزي” إلى أن السينما صناعة تتحكم فيها قوى غير مرئية (شبكات نفوذ وتراكم معرفي) لا تتغير بمجرد ضخ السيولة.

 

  1. فخ “تلميع الصورة”

يتمثل التحدي الأكبر أمام الاستثمارات الخليجية في تجنب الوقوع في فخ “تلميع الصورة”. يحذر “سلافوي جيجك” من أن أسوأ أشكال الأيديولوجيا هي التي تكتفي بتحسين القشرة الخارجية.

  • الإنسان المركب: بناء سردية بديلة لا يتم عبر تقديم شخصيات “مثالية” أو “ملائكية”، بل عبر تقديم الإنسان العربي بكامل تناقضاته وصراعاته الأخلاقية.
  • الصدق الفني: يرى المخرج “أصغر فرهادي” أننا حين نحاول تلميع الشخصيات نفقد إنسانيتها، والسيادة الحقيقية تأتي من القدرة على رواية قصصنا بصدق وواقعية.

 

  1. التأثير التراكمي: من “الدولة الزبون” إلى “الدولة الساردة”

هل يؤثر الاستثمار السينمائي في القرار السياسي؟ نعم، ولكن بشكل غير مباشر. يقول “هنري كيسنجر” إن الرأي العام يسبق السياسة الخارجية. إعادة تشكيل صورة المنطقة في المخيال الغربي قد تخلق مناخاً دبلوماسياً أكثر مرونة على المدى الطويل.

ومع ذلك، يظل التأثير الخارجي هشاً ما لم يدعمه:

  • صناعة محلية قوية: كما يقول “عبد الله حمودي”، المجتمعات التي لا تنتج سرديتها الخاصة تظل أسيرة مرايا الآخرين.
  • استقلال السرد: بناء رؤية ثقافية عميقة تتجاوز مجرد “الظهور في قصة الآخر” إلى “رواية القصة بأنفسنا”.

 

خلاصة: السيادة في زمن الشاشات

نحن أمام إمكانية تحول استراتيجي ينتقل بالدول الخليجية من منطق استيراد التكنولوجيا والسلاح إلى منطق “الدولة الساردة”. إن القدرة على السرد في عالم تحكمه الشاشات هي شكل جديد من أشكال السيادة الوطنية.

وكما لخص “جان لوك غودار” المشهد: “من لا يملك كاميرته، سيعيش داخل كاميرا غيره”. فمن لا يملك صورته، لا يملك مستقبله في هذا العالم المتسارع.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد