الحجاج بن يوسف الثقفي: بطل إسلامي أم سفاح طاغية؟
قراءة شاملة في تاريخٍ يموج بالتناقضات
الشوارع ـ المحرر
الحجاج بن يوسف الثقفي هو أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي التي لا يمكن أن تمر دون إثارة الجدل. فبين من يراه بطلاً عظيماً أعاد للدولة الأموية هيبتها، ومن يراه طاغيةً سفّاكاً للدماء لا يعرف الرحمة، تتقاطع الروايات والأحكام حول رجلٍ حكم بالحديد والنار، ولكن ترك أثراً لا يُمحى في مسار التاريخ الإسلامي.
أصل حكايته: من الطائف إلى قصر الحكم
وُلد الحجاج بن يوسف الثقفي في مدينة الطائف سنة 40 هـ تقريباً، في أسرة متواضعة من قبيلة ثقيف المشهورة بفصاحتها وقوة شخصياتها. تلقى تعليمه في المساجد، وكان مولعاً بالقراءة وحفظ القرآن واللغة العربية. منذ شبابه، امتاز بذكاء حاد ولسان فصيح جعله مؤهلاً لمناصب أكبر من بيئته الأولى.
مدرس قرن للصبيان: بداية متواضعة لرجل عظيم
قبل أن يسطع نجمه في سماء السياسة والعسكرية، عمل الحجاج معلماً للصبيان في الطائف. درّسهم القرآن والنحو، وكان معروفاً بحزمه وانضباطه الشديد، حتى قالوا إن الأطفال كانوا يهابونه كما يهاب الجنود قادتهم. هذه المرحلة صقلت شخصيته الانضباطية التي ستظهر لاحقاً في كل ميدان دخله.
في حضرة الخليفة الأموي: من الطائف إلى قصر عبد الملك بن مروان
عندما اشتدت الفتن في الدولة الأموية، لفت الحجاج أنظار الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي رآى فيه رجلاً ذا حزمٍ وشجاعة وانضباط. بدأ الحجاج خدمته في الجيش، وأظهر قدرة استثنائية على القيادة فتمت ترقيته بسرعة حتى صار والياً على العراق، أكثر مناطق الدولة اضطراباً وتعقيداً في ذلك الوقت.
ما سبب انقلاب الشخصية؟ من المعلم الهادئ إلى الحاكم الدموي
يرى المؤرخون أن تحول الحجاج من مدرسٍ متزن إلى واليٍ صارم لا يعرف الرحمة كان نتيجة لبيئة العراق السياسية المليئة بالفتن والتمردات. فكان يرى في الشدة وسيلة لحكم بلدٍ لا يخضع إلا للقوة. كما أن قربه من عبد الملك بن مروان زاد شعوره بالسلطة المطلقة.
بطولاته العسكرية: فارسٌ لا يُهزم
قاد الحجاج حملاتٍ عسكرية أعادت للدولة الأموية هيبتها، منها القضاء على تمرد عبد الله بن الزبير في مكة، وتثبيت أركان الحكم الأموي في العراق وخراسان. كما ساهم في تجهيز الجيوش التي فتحت الهند على يد محمد بن القاسم الثقفي، ابن أخيه.
كانت إنجازاته العسكرية سبباً في تمدد نفوذ الدولة الأموية شرقاً وغرباً.
حكايات ذكائه: سيف العقل قبل السيف
اشتهر الحجاج بذكائه اللغوي وقدرته على الخطابة والإقناع. يُروى عنه أنه كان سريع البديهة يستخدم المنطق في حسم المواقف الصعبة. قال الجاحظ عنه: “كان أعذب الناس لفظًا، وأسرعهم جوابًا، وأقواهم حجةً”.
ومن أشهر مواقفه، عندما دخل إلى أهل العراق فقال: «إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها»، فكان بذلك يعلن عن بداية عهدٍ جديد من الحزم والانضباط.
قصص سفك الدماء
لكن وراء هذا الذكاء والبطولة، تكمن صفحات دامية من تاريخه؛ فقد روى المؤرخون أنه قتل عشرات الآلاف ممن اعتبرهم متمردين، وأرسل كثيراً إلى السجون. وكان يشتهر بإعدام خصومه في العلن لبث الرعب في النفوس.
ومن أشهر ضحاياه، سعيد بن جبير، العالم الزاهد الذي دارت بينه وبين الحجاج مناظرات مشهورة قبل أن يأمر بقتله.
قصف الكعبة بالمنجنيق
من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخه مشاركته في قصف الكعبة المشرفة بالمنجنيق أثناء حصار مكة لإسقاط عبد الله بن الزبير. رغم أن هدفه كان إعادة الوحدة للدولة الأموية، فإن هذا الفعل بقي وصمة في تاريخه، لا يمحوها تبرير الظروف السياسية.
أشهر خصومه وكيف عاملهم
خاض الحجاج صراعات مع شخصيات كبرى، أبرزها عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير والأشعث بن قيس. تعامل معهم جميعاً بمنطق القوة، لا بالمساومة. ومع ذلك، كان يحترم العلماء ويقرب أصحاب الكلمة المؤثرة الذين يمدحون الدولة ويعززون سلطان الخليفة.
قصصه مع النساء
لم يعرف عن الحجاج عواطف جياشة، لكنه تزوج عدة مرات، أبرزها زواجه من هند بنت أسماء بن خارجة، التي قيل إنها تركته بعدما سمعت منه كلاماً جارحاً، فقال جملته الشهيرة: “رأيت جمالها فاستضعفت عقلي”.
قصصه مع النساء تكشف جانباً إنسانياً يظهر خلف شخصية الوالي المتجبر.
تضارب الآراء حوله
تباينت المواقف تجاه الحجاج؛ فالبعض يرى فيه بطلاً عظيماً أعاد للدولة هيبتها في زمن الفوضى، والبعض الآخر يراه طاغيةً لا مثيل له في البطش.
المحبون يرونه مثالاً للحزم والانضباط، والناقدون يصفونه بالدموي الذي لم يعرف للرحمة سبيلاً.
نموذج للحاكم العربي ؟
ربما تجسد شخصية الحجاج الصراع الأبدي بين العدل والحزم في الحكم العربي. فكم من حكامٍ بعده ساروا على نهجه في القسوة معتبرينها وسيلة تدبير، بينما رأى آخرون فيها بداية لانهيار القيم والإنسانية.
ماذا ترك الحجاج من تراث؟
ترك الحجاج بصماتٍ لغوية وإدارية خالدة، من أبرزها تنظيم نقاط الإعجام في المصحف الشريف لتوحيد القراءة، ووضع أسس الإدارة الحديثة في العراق. كما رسّخ أسلوب التسيير المركزي القوي في الدولة الإسلامية.
جلاد أم ضحية مؤرخين؟
يبقى الحجاج بن يوسف الثقفي شخصية فريدة يصعب الحكم عليها حكماً واحداً. قد يكون جلاداً بعيون من ظلمهم، وبطلاً في أعين من أنقذ الدولة من التفكك.
التاريخ لا يصفع أحداً بالمطلق، بل يعرض لوحاته كما هي؛ والحجاج مثالٌ على أن العظمة والبطش قد يجتمعان في شخصٍ واحد.
