أحمد الجــــلالي
بعيدا عن السياسة ووديانها العفنة، سأكتب لكم عن يومياتي مع زمن كورونا، هذه اللحظة التاريخية في عمر بشرية القران 21، والتي لن يكون العالم بعدها، ولا المغرب، كما هو أو كما ظللنا نعرفه أو نزعم أننا نعرفه.
انطلاقا من اليوم الجمعة 20 مارس 2020 دخل المغرب مرحلة الحجر الصحي العام وتقيدت الحركة وسنضرب كل الحسابات لسلوكات وحركات كنا نقوم بها بكل عفوية وأريحية.
اليوم تغيرت المقاييس وانقلبت القوانين والحركات والسكنات. الفرق بين اليوم والأمس عندنا هو الفرق عينه في المشي بين الصحيح المعافى الذي ينط هناك والمعقد الذي يرى تلك الحركات الرشيقة مطلبا صعب المنال.
قبل أن التقط لكم ما ستخزنه الذاكرة وعين الكاتب اللاقطة لتفاصيل قد لا ترصدها العين العادية التي بلدها الاعتياد والتعود، سأروي لكم المشاعر الأولى التي انتابتني قبل يومين.
العيش والتاعيش مع فيروس كورونا اللعين لا يختلف في الحقيقة عن العيش مع العقارب في غرفة واحدة.
لماذا هذا التشبيه؟
لسببين على الأقل. أولهم أنك لا تعرف من أين سينقض عليك الوحش الفظيع الخفي ويفتك بك، أمن بين أناملك أم من على سطح أتفه شيء تلمسه أو تتناوله.
تتحسس كل جزئية وترتاب في أطرافك وتعيد مراجعة كل ميكانيزمات جسدك وكأنك روبوت تجب إعادة برمجته لكي يتفادى الموت الزؤام المخفي في كل شيء.
الشفاه التي كانت تغريك في الوجوه الحسناء منها قد تنطلق قذيفة رذاذ ترديك، والأنوف المستقيمة أو الفطساء التي ألهمت الشعراء منها قد يتسلل الفيروس الكافر بالحياة فيأخذك إلى حتفك التي لا تريده الآن على كل حال.
أما العقارب فقد عشت معها ليلة لن أنساها أبدا قبل قرابة عقدن في قرية بأعماق الجنوب المغربي.
زرت صديقا عزيزا بأكادير ومن هناك إلى مسقط راسه حيث استمتعت بكل ما تتصورونه من نقاء الهواء وكرم الأعزاء الأمازيغ من حلاوة الأخلاق إلى كرم الضيافة وجودة العسل الحر.
في ظهيرة اليوم الثاني عثرنا على عقرب بفناء البيت فقتلناه وبدا الأمر عاديا. لكن بعد قرابة ساعة وبينما نحن على مائدة الغذاء رفعت بصري فإذا بزوجي عقرب يتسللان إلى صالة الضيوف فقلناهما ومعهما ذهبت شهية أكلي.
حاولت تناسي الأمر غير أني وما أن دعا لي مضيفي بليلة سعيدة حتى اكتشفت ما هو أفظع.
على غير عادتي قبل النوم نفضت البطانية. هل تتوقعون ما اندلق منها؟
عنكبوت ضخم كان ينتظرني ليحقنني وينهي وجودي. تدحرج أمامي على الأرض ثم استدار نحوي كأي خائن كشف أمر غدره.
ناديت صديقي حسن فأتى مسرعا ليقف مشدوها أمام هذا السم الذي طاردنا يوما ولم يكفه فأراد استكمال الحفلة ليلا.
طلبت منه أن اصعد إلى سطح البيت حيث بيت صغير. أخرجنا كل ما فيه من أثات بسيط ونفضته ثم شككت في الأمر كله وفضلت أن أتمدد على الأرض في ليلة صيف قائظ.
أغلقت النوافذ، وأحكمت إغلاق الباب ووضعت تحته كل ما يمكن أن يمنع تسلل العقارب أو غيرها…وكانت ليلة طويلة.
نمت ولم أنم. رأيت الكوابيس.
علينا أن نتعلم النوم واليقظة والعمل والتحرك والأكل والشرب مع عقرب لا نعرف لونه سموه “كورونا”.
دامت لكم السلامة.
WWW.ACHAWARI.COM
