مهاجمة محمد السادس ليست شجاعة..واحترامه ليس تملقا أو جبنا

 أحمد الجـــلالي

أعطى انتشار خدمات الإنترنت والتواصل الإجتماعي فرصا للترويح وللتعبير، وقدرا أكبر لتفجير وديان الوقاحة والصلف والبذاءة. للسلوك الأول حسنات لا تحصى، وللمثلبة الثانية مساوئ لا تعد.

ومن مصائب الإنترنت في السياق المغربي أنه صنع نجوما زائفة ومفكرين بلا عقل، ومنظرين بلا علم و أصحاب رأي بلا حصافة، ونقادا بلا حصارات..وجمهورا مخدرا وراءهم بلا حول ولا قوة، ولا صراطا يمشي عليه هاديا مهديا.

ومن فيض بذاءات العصر الرقمي المغربي أن المتصفح لليوتيوب أو ما سواه من المواقع ما أن ينقر حتى تنط على سمعه وبصره ضفادع تنق من كل القارات السيبيرنيتيكية، أو ذئاب تعوي من مجاهل الشبكة العنكبوتية أو غربان تنعب هنا وهناك، والأهداف واحد موحدة:

ــ النيل من الإسلام باسم الحداثة..والهدف في قمة الرجعية الجديدة

ــ النيل من اللغة العربية باسم التعدد..والغاية تهديم إحدى لبنات اللحمة المغربية

ــ النيل من النظام الملكي المغربي..والمبتغى تفتيت الدولة والكيان القوي

ــ النيل من شخص الملك محمد السادس..والمبتغى ضرب الرمزية في العقول والنفوس.

 فأما الإسلام فللدين رب يحميه، وأما العربية فباقية حجرا ثقيلا على أنفاسهم وأما النظام المغربي فامتزج بدماء الناس وحمي بقوى لا مرئية بحيث صارت هي المتاريس التي انصهر فيها النظام..

وأما شخص الملك فهو الذي يشتغلون عليه تارة باسم الشجاعة ومرات باسم النقد البناء وأحيانا باسم الثورة ومناسبات تحت يافطة “التحرر”..

ويقف الملك إزاء كل هذا اللغط موقفا لا يمكن أن نمر عليه مرورا عابرا، لأنه موقف غير عاد:ففي فهم متقدم أعلن محمد السادس على لسان وزيره في العدل آنداك، مصطفى الرميد، أنه لن يتابع أحدا شتمه. وفي بعد النظر هذا ما يجب التوقف عنده بعمق:

بحكم سعة اطلاعه فقد عرف الملك ما هو آت من هذا “الانفتاح” الذي يشبه “حملة” الوادي الجالب معه كل مقتلع وكل ميتة وما شاكلها..ثم إنه أعرب عن قدرة لا يضاهيه فيها أي من حكام العرب وأفريقيا.

والملك في كل الأحوال لا يمكن تصوره لا عمليا ولا أدبيا وهو يلاحق هؤلاء..فله من الانشغالات ما تنوء بحمله الرواسي.

لقد شكلت قضية الملكية والملك في صلتهما بالسياسة والصحافة والفكر موضوع سجال وتنافس ومزايدات وحتى متاجرة. فالحديث عن القصور والملوك والأمراء ظل دائما يجلب الاهتمام و”يبيع” الصحف والمجلات والبرامج.

ولكن في السياق المغربي، سيما في هذا العصر الرقمي الهمجي في كثير من تمظهراته، يراد تسويق أفكار خاطئة بشأن هذا الموضوع وهي:

ــ مهاجمة الملك شجاعة وثورية وطهرانية و زعامة و إيمان وتميز وحس فدائي

ــ احترام الملك جبن وعبودية وخيانة و”تعياشيت” ورجعية..إلخ

لقد انتزعت صفحات ومواقع لا هوية لها ولا ميثاق بعض “سلطة ضجيج” واعتدت بحجم “المتفرجين” عليها ولا نقول المنخرطين، فحاولت أن تفرض على الناس قناعاتها المرضية في غالبيتها..بعد أن توهمت أنها رأس حربة “الثورة” وطليعة الأمة.

والحقيقة أن الرأي العام لا يجب أن يستمر في طريق هو فيها ضحية لهؤلاء النصابين على العقول والقلوب، المبشرين بغد يلمعونه للناس فيما هو أسود قاتم على البلاد والعباد.

ليس في الأمر نظرية مؤامرة تحركنا، بل هي المؤامرة ناطقة بالدارجة المغربية ليل نهار، ونباح كلاب الشر يصل مسامعنا عبر كل واد..إلا إذا أراد المرء أن يقنع نفسه بأن الأمر لا يعدو أن يكون لعب صبيان.

ولأن الملك يوجد في قلب السياسة واتخاذ القرارات فالاهتمام به أمر طبيعي، غير أن ثمة فروقا جوهرية بين انتقاد السياسات وانتقاد النظام، بين مناقشة التوجهات والتهجم على الرموز، بين النقد والشتيمة، بين إبداء الاحترام لمواضيع الإجماع الوطني والتزلف الطامع الذليل من أجل المغانم الفانية، بين إسداء النصيحة لوجه الحق والوطن والوقوف على منصة التسول باسم الوطنية..لممارسة الشحاذة في أقبح صورها.

تلك هي الفروق الدقيقة حيث ترسخت قناعاتنا منذ سنوات، مثلما تيقنا مهنيا أن كثرة الكتابة عن مواضيع تبدو للبعض “حساسة وقوية” عن الملك محيطه فهي مثل التعديل بنهاية الصحافي أو المؤسسة التي تراهن ــ تسويقيا ــ على هذه القضايا المثيرة.

لماذا؟

لأن القارئ/المشاهد/المستمع/المستهلك سيسألهم دائما وبعد كل “خبطة”: وماذا بعد؟. إنه الوصول إلى الحائط.

 على الصعيد الشخصي كتبت عن الملك بضع مرات لما قدرت مهنيا أني يجب أن أكتب. ولد كتبت عن محمد السادس باسم وصورتي وتوقيعي، ولم أتوار وراء أسماء وكنيات مستعارة.

وفي المناسبات القليلة ــ وهذه واحدة منها ــ التي تناولت الملك ما راجعت ما كتبت إلا من حيث الأخطاء المطبعية، ولا غيرت تعبيرا أو حذفت سطرا، لأن علاقتي بالملك ليست مبنية على خوف أو طمع.

 وحتى عندما نشرت كتابا عن الصحراء المغربية تحت عنوان “الخروج من فم الثعبان” وخصصت إهداء للملك بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، نصحني بعضهم بأن آخذ نسخا وأحملها إلى الديوان الملكي، فكان ردي بسيطا: لا أكتب من أجل “لاكريمات” ولا طمعا في مناصب.

وعلى هذا الطريق سنمضي إلى النهاية.

 

 www.achawari.com

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد