الشوارع
تواجه المملكة المغربية مرحلة دقيقة في تدبير ملف الطاقة، تفرضها التوترات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على سلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، وجهت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة نداءً حازماً للفاعلين في قطاع المحروقات، طالبتهم فيه باستحضار المصلحة الوطنية القصوى والعمل على ضمان استقرار السوق الداخلي، وتفادي أي ممارسات قد تثقل كاهل القدرة الشرائية للمواطنين أو تخل بالتوازنات الاقتصادية الكلية للبلاد.
وتأتي هذه التحركات الحكومية في وقت يراقب فيه المغرب بقلق تصاعد أسعار النفط دولياً؛ فبينما اعتمدت ميزانية الدولة سعراً مرجعياً للبرميل عند حدود 65 دولاراً لعام 2026، تسببت الاضطرابات الإقليمية في قفزات تجاوزت عتبة 80 دولاراً، مما يضع الفرضيات المالية للموازنة تحت ضغط حقيقي.
ويستعيد المراقبون سيناريو عام 2022 القاسي، حينما أدت الحرب في أوكرانيا إلى قفزة جنونية في سعر “الغاروال” من 1.1 إلى 1.7 دولار للتر الواحد، وسط مخاوف من تكرار المشهد في حال تأثرت الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز، الذي قد يدفع بالأسعار نحو مستويات قياسية تفوق 140 دولاراً للبرميل.
وعلى مستوى الجاهزية الميدانية، كشفت مصادر رسمية أن مخزون المغرب الحالي من المواد البترولية (غاروال، بنزين، ومشتقات أخرى) يكفي لتغطية حاجيات السوق الوطنية لمدة تصل إلى 30 يوماً.
وبالرغم من أن هذا المستوى يوصف بـ “المريح” لتأمين التزويد المنتظم على المدى القريب، إلا أنه يظل دون السقف القانوني الذي يلزم الشركات المستوردة والموزعة بضمان مخزون استراتيجي لا يقل عن 60 يوماً. وتؤكد الوزارة أنها تتابع يومياً وضعية هذه المخزونات بدقة، مشيرة إلى أن النظام الطاقي العالمي يمتلك حالياً المقومات اللازمة لامتصاص الصدمات السعرية الحادة بفضل آليات التنسيق الدولي.
وفي خضم هذه التحديات، تبرز قضية “مصفاة لاسامير” كملف استراتيجي معطل يراهن عليه الكثيرون لتعزيز السيادة الطاقية. وقد شهد الملف مؤخراً تطوراً قضائياً برفض المحكمة التجارية بالدار البيضاء عرض الاستحواذ المقدم من شركة “إم جيه إم” الإماراتية، لعدم استيفائه الشروط القانونية الصارمة التي تفرض ضمان استمرارية التكرير والحفاظ على حقوق العمال وتقديم ضمانات مالية كافية.
ويرى خبراء وفاعلون نقابيون أن إحياء هذه المصفاة كفيل بتلبية 70% من احتياجات المملكة وتوفير طاقة تخزينية تصل إلى مليوني طن، مما سيساهم بشكل مباشر في خفض الأسعار وتنشيط المنافسة، وهو ما يتطلب “إرادة سياسية” لحسم مستقبل هذه المنشأة الوطنية الحيوية.
إن فاتورة الطاقة في المغرب، التي تذبذبت بين 15.3 مليار دولار في ذروة الأزمة عام 2022 ونحو 11 مليار دولار في العام الماضي، تظل المؤشر الأهم على سلامة الميزان التجاري.
ومع استمرار حالة عدم اليقين الدولية، يظل الرهان المغربي معلقاً على مزيج من اليقظة الحكومية، والمواطنة المقاولاتية للشركات، وتسريع وتيرة الاستثمارات في البنيات التحتية للتخزين لضمان صمود المملكة أمام أي هزات طاقية مستقبلية.
